عبد الملك الثعالبي النيسابوري

300

يتيمة الدهر في محاسن أهل العصر

منه بالمدح ، والحاسد يعمى عن محاسن الصبح ، بعين تدرك دقائق القبح ، والهروي جسد كله حسد ، وعقد كله حقد . فلا يجذب التخلق بضبعه « 1 » عن طبعه ، ولا يأخذ التكلف بخلقه ، عن طرقه . رقعة له إلى مستميح عاوده مرارا وقال له : لم لا تديم الجود بالذهب كما تديمه بالأدب ؟ ! عافاك اللّه ، مثل الإنسان في الإحسان كمثل الأشجار في الثمار سبيله إذا أتى بالحسنة ، أن يرفه إلى السنة ، وأنا كما ذكرت لا أملك عضوين من جسدي وهما فؤادي ويدي ، أما الفؤاد فيعلق بالوفود ، وأما اليد فتولع بالجود ، لكن هذا الخلق النفيس ، ليس يساعده الكيس ، وهذا الطبع الكريم ، ليس يحتمله الغريم ، ولا قرابة بين الذهب والأدب فلم جمعت بينهما ؟ والأدب لا يمكن ثرده في قصعة « 2 » ، ولا صرفه في ثمن سلعة ، ولي من الأدب نادرة جهدت في هذه الأيام بالطباخ أن يطبخ لي من جيمية الشماخ لونا فلم يفعل ، وبالقصاب أن يسمع أدب الكتاب فلم يقبل ، وأنشدت في الحمام ديوان أبي تمام فلم ينفذ ، ودفعت إلى الحجام مقطعات اللجام فلم يأخذ ، واحتيج في البيت إلى شيء من الزيت ، فأنشدت من شعر الكميت ألفا ومائتي بيت ، فلم تغن ، ولو وقعت أرجوزة العجاج في توابل السكباج « 3 » ما عدمتها عندي ولكن ليست تقع فما أصنع ، فإن كنت تحسب اختلافك إليّ إفضالا عليّ فراحتي في أن لا تطرق ساحتي ، وفرجي في أن لا تجي ، والسلام .

--> ( 1 ) الضبع : ما بين الإبط إلى نصف الساعد . ( 2 ) لا يمكن ثرده في قصعة : ثرد يثرد الخبز أي فته ثمّ بله يمرق ، أي أنّ الأدب لا يمكن أن يكون كالطعام ، لأنّه موهبة وذوق . ( 3 ) العّجاج : أحد الشعراء الرجّاز ، والسكباج : مرق يتخذ من اللحم والخل .